السبت 19 سبتمبر 2026 12:55 مـ 6 ربيع آخر 1448 هـ
قضية رأي عام
رئيس مجلس الإدارة هشام ابراهيم رئيس التحرير محمد صلاح
×

العنف النفسي.. جروح لا تُرى وآثارها قد تظل لسنوات نرى ما لا يُرى.. وحينها تتغير الرؤية

السبت 19 سبتمبر 2026 12:04 مـ 6 ربيع آخر 1448 هـ
دكتورة نرمين ذكريا
دكتورة نرمين ذكريا

ليس كل جرح ينزف، وليس كل ألم يمكن أن تراه العين.. فهناك جروح لا تترك كدمة على الجسد، ولا تحتاج إلى ضمادة، ولا يلاحظها من حولنا أحد، لكنها قد تظل عالقة في النفس طويلًا.

كلمة قاسية، إهانة متكررة، تقليل من الشأن، خوف دائم، أو سيطرة تُمارس تحت مسميات الحب والاهتمام.. كلها صور قد تحمل في طياتها أذى نفسيًا عميقًا، حتى وإن لم تترك أثرًا واضحًا على الجسد.

إنه العنف النفسي؛ ذلك النوع من الأذى الذي قد يكون صامتًا في ظاهره، لكنه عميق الأثر في حياة الإنسان، وقد يؤثر في نظرته إلى نفسه وعلاقاته بالآخرين وقدرته على ممارسة حياته بصورة طبيعية.

وفي إطار مبادرة «نرى ما لا يُرى»، تفتح الدكتورة نرمين زكريا طاهر، الأستاذ بهيئة الدواء المصرية ورئيس شعبة التقييم الدوائي البشري بهيئة الدواء المصرية، ملفًا مهمًا من ملفات الألم الإنساني الذي قد نراه في تفاصيل الحياة اليومية دون أن ندرك حقيقته: العنف النفسي، ذلك الجرح الذي لا يظهر على الجسد، لكنه قد يترك أثرًا بالغًا في النفس.

هل كل عنف يجب أن يترك أثرًا على الجسد؟

وتطرح الدكتورة نرمين سؤالًا يستحق أن نتوقف أمامه: هل كل عنف يجب أن يترك أثرًا على الجسد؟

الإجابة: لا.

فقد يكون العنف كلمة تتكرر، أو إهانة يتم تبريرها، أو تقليلًا مستمرًا من قدرات الإنسان، أو سيطرة تُمارس تحت غطاء الحب والخوف والحرص.

وفي كل مرة قد يبدو الأمر بسيطًا، لكن تكراره يمكن أن يصنع أثرًا عميقًا لا يراه الآخرون.

وقد يعيش الإنسان وسط أسرته، وبين أصدقائه وزملائه، ويبدو للجميع أنه بخير؛ يبتسم، ويتحدث، ويذهب إلى عمله أو دراسته، ويمارس حياته بشكل طبيعي، بينما يخوض في داخله معركة لا يراها أحد.

والأصعب أن الإنسان نفسه قد لا يدرك أحيانًا أنه يتعرض لعنف نفسي.

العنف النفسي.. عندما تصبح الإساءة أمرًا معتادًا

العنف النفسي لا يبدأ دائمًا بصورة واضحة؛ فقد يبدأ بكلمة عابرة نسمح بمرورها، ثم تتكرر، ثم تتحول إلى أسلوب دائم في التعامل.

ومع الوقت، يعتاد الإنسان ما يؤذيه، ويبدأ في التعامل معه باعتباره أمرًا طبيعيًا.

«إنت فاشل.»

«إنت مش محبوب.»

«إنت مش هتقدر.»

«إنت دايمًا بتغلط.»

«إنت مش قادر تاخد قرار لوحدك.»

كلمات قد يظن قائلها أنها انتهت بمجرد خروجها من فمه، لكنها قد لا تنتهي بالنسبة إلى من سمعها.

فالإنسان قد ينسى الجملة، لكنه قد يحتفظ بأثرها.

ومع التكرار، قد تتحول كلمات الآخرين إلى صوت داخلي يرددها الإنسان لنفسه:

ربما أنا فعلًا فاشل.

ربما أنا فعلًا لا أستطيع.

ربما لا أحد يحبني.

ربما لا أستحق.

وهنا يصبح الخطر أكبر؛ لأن العنف لم يعد فقط شيئًا يأتي من الخارج، بل أصبح يؤثر في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه.

عندما يتحول الحب إلى مبرر للأذى

من أكثر الأمور التي تجعل العنف النفسي صعب الاكتشاف أنه قد يُقدَّم أحيانًا في صورة الحب أو الخوف أو الحرص.

«أنا بعمل كده عشان خايف عليك.»

«أنا بقولك الكلام ده لمصلحتك.»

«أنا بغير عليك عشان بحبك.»

لكن الحب لا يحتاج إلى إهانة، والخوف على شخص لا يعني السيطرة عليه، والنصيحة لا تحتاج إلى كسر ثقته بنفسه.

من حقنا أن ننصح، لكن ليس من حقنا أن نهين.

ومن حقنا أن نختلف، لكن ليس من حقنا أن نجرح.

ومن حقنا أن نعبر عن خوفنا، لكن ليس من حقنا أن نستخدم الخوف للسيطرة.

وهنا تأتي أهمية وضع الحدود الصحية في العلاقات؛ أن يعرف الإنسان أن احترام الآخر لا يعني التخلي عن احترامه لنفسه.

كيف نكتشف الألم الذي لا يظهر؟

قد تظهر آثار العنف النفسي في صورة تغيرات لا تبدو مرتبطة في البداية بما يتعرض له الإنسان.

شخص كان اجتماعيًا وأصبح يميل إلى العزلة.

شخص كان واثقًا من نفسه وأصبح مترددًا في كل قرار.

شخص يعتذر باستمرار حتى عندما لا يكون مخطئًا.

شخص يشعر دائمًا بأنه السبب في كل مشكلة.

شخص يبرر باستمرار تصرفات من يؤذيه.

شخص يخاف من التعبير عن رأيه أو اتخاذ قرار دون الرجوع إلى شخص آخر.

هذه العلامات لا تعني بالضرورة أن الشخص يتعرض لعنف نفسي، لكنها قد تكون إشارات تستحق الانتباه، خاصة إذا ظهرت بشكل مفاجئ أو تغيرت معها طبيعة الشخص وعلاقاته وحياته اليومية.

ولهذا، عندما نلاحظ أن شخصًا تغير، ربما لا يكون السؤال الأهم:

«هو اتغير ليه؟»

بل ربما يكون السؤال الأهم:

«إيه اللي حصل له وخلاه يتغير؟»

فوراء بعض التغيرات قصة لا نعرفها، ووراء بعض الصمت ألم لم يجد صاحبه من يسمعه.

لا تعزل من يتألم.. أحيانًا كل ما يحتاجه هو أن يصدقه أحد

الشخص الذي يتعرض للعنف النفسي لا يحتاج دائمًا إلى شخص يأتي بدور «البطل» لينقذه.

أحيانًا يحتاج فقط إلى شخص يصدقه.

إلى شخص يقول له:

«أنا جنبك.»

«أنا مصدقك.»

«أنا سامعك.»

«إنت مش لوحدك.»

فاللوم قد يدفع الإنسان إلى مزيد من الصمت، أما الدعم الآمن فقد يكون بداية لاستعادة ثقته بنفسه.

وفي الحالات التي يستمر فيها العنف النفسي أو يصبح تأثيره شديدًا على حياة الإنسان وعلاقاته وقدرته على ممارسة حياته بصورة طبيعية، فإن طلب المساعدة المتخصصة خطوة مهمة، وليس دليلًا على الضعف.

الكلمة مسؤولية.. وقد تكون دعمًا أو جرحًا

ربما لا نتوقف كثيرًا قبل أن نتحدث.

قد نقول جملة في لحظة غضب، ثم ننساها بعد دقائق، بينما يظل الطرف الآخر يتذكرها لسنوات.

ولهذا، قبل أن نتحدث، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا:

هل كلماتي ستبني الإنسان الذي أمامي أم ستهدمه؟

هل أنا أقدم نصيحة، أم أوجه إهانة؟

هل أنا أعبّر عن اختلاف، أم أقلل من قيمة الآخر؟

هل أحاول أن أساعد، أم أزرع داخله خوفًا وشكًا في نفسه؟

فالكلمة ليست مجرد صوت ينتهي بمجرد أن نطق بها.

الكلمة قد تكون دعمًا، وقد تكون جرحًا.

قد تمنح الإنسان ثقة، وقد تسلبه إياها.

قد تفتح أمامه بابًا، وقد تجعله يغلق أبوابًا كثيرة في وجه نفسه.

نرى ما لا يُرى.. لأن بعض الألم لا يظهر على الوجه

وفي النهاية، علينا أن نتذكر أن الألم ليس دائمًا واضحًا، وأن الإنسان الذي يبدو بخير أمامنا قد يخوض معركة لا نعرف عنها شيئًا.

لذلك، فإن رسالتنا ليست فقط أن نرى ما يظهر أمام أعيننا، وإنما أن نتعلم كيف ننتبه إلى ما لا يُرى.

أن نلاحظ التغير.

أن نستمع دون إصدار أحكام.

أن نحترم الحدود.

أن نختار كلماتنا بعناية.

وأن ندرك أن العنف النفسي ليس أقل أهمية لأنه لا يترك علامة على الجسد.

فليس كل جرح ينزف.. وليس كل ألم يُرى.

نرى ما لا يُرى.. وحينها تتغير الرؤية.

موضوعات متعلقة