من الطفرة إلى صنف جديد.. التقنيات النووية تفتح آفاقًا جديدة أمام القمح المصري وتدعم الأمن الغذائي
في خطوة تعكس الدور المتنامي للبحث العلمي والتقنيات النووية في دعم القطاع الزراعي، سلطت هيئة الطاقة الذرية المصرية الضوء، خلال مشاركتها في فعاليات معرض العلمين الزراعي، على أبرز تطبيقات التقنيات النووية في خدمة الزراعة المصرية، وفي مقدمتها استحداث الطفرات النباتية باستخدام أشعة جاما، وتوظيفها في برامج تربية وتحسين المحاصيل الزراعية.
وتأتي هذه الجهود في إطار توجه علمي يستهدف تطوير أصناف زراعية أكثر ملاءمة للظروف المصرية، بما يسهم في رفع الإنتاجية وتحسين جودة المحاصيل وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على مواجهة التحديات المختلفة، وعلى رأسها التغيرات المناخية والأمراض واحتياجات الأمن الغذائي.
أشعة جاما.. أداة علمية لاستنباط أصناف زراعية جديدة
ومنذ انطلاق برامج استحداث الطفرات النباتية في مصر خلال تسعينيات القرن الماضي، واصلت الفرق البحثية العمل على تطوير وتحسين عدد من المحاصيل، من بينها القمح والسمسم والحمص والكينوا واللوبيا والعصفر والكتان.
وتعتمد هذه البرامج على استخدام أشعة جاما لإحداث طفرات وراثية مدروسة في النباتات، ثم اختيار الطفرات التي تحمل صفات زراعية مرغوبة وإدخالها في برامج التربية، بما يتيح استنباط سلالات وأصناف جديدة تتميز بصفات أفضل وأكثر ملاءمة للبيئة الزراعية المصرية.
القمح في صدارة الاهتمام.. إنتاجية أعلى ومقاومة أفضل
ويعد القمح أحد أبرز المحاصيل التي استفادت من برامج استحداث الطفرات، حيث أسهمت الجهود البحثية في تحسين مجموعة من الصفات المهمة، من بينها زيادة عدد الحبوب في السنبلة وتحسين وزن الألف حبة، إلى جانب التبكير في النضج وتقليل مدة دورة النمو.
كما ساعدت هذه البرامج على تحسين مقاومة بعض أمراض القمح، وعلى رأسها أمراض الصدأ، فضلًا عن العمل على رفع الإنتاجية وتحسين جودة الحبوب، وهي عوامل تمثل أهمية كبيرة في ظل الحاجة إلى زيادة إنتاج القمح محليًا.
«طاقة 14» و«طاقة 15» و«طاقة 150».. سلالات بإنتاجية مرتفعة
ومن أبرز ما نتج عن هذه البرامج استنباط عدد من السلالات المتميزة، من بينها سلالة «طاقة 14» التي تصل إنتاجيتها إلى نحو 9.4 طن للهكتار، وسلالة «طاقة 15» التي تصل إنتاجيتها إلى نحو 9.8 طن للهكتار، إلى جانب «طاقة 150» التي تصل إنتاجيتها المتوقعة إلى نحو 10.5 طن للهكتار.
كما تم تسجيل صنف القمح «طاقة 152»، الذي يتميز بقصر مدة النمو والقدرة على مقاومة انحناء النباتات وسقوطها، إلى جانب مقاومة الصدأ، مع تحقيق زيادة في الإنتاجية.
«طاقة 4».. تجربة متميزة في قمح المكرونة
ولم تقتصر جهود استحداث الطفرات على قمح الخبز، بل امتدت أيضًا إلى قمح المكرونة «القمح الديورم»، حيث تم تطوير صنف «طاقة 4»، الذي حقق نتائج متميزة من حيث الإنتاجية وقصر مدة النمو.
وأُدرج الصنف ضمن قاعدة بيانات الأصناف الطفرية التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «FAO» والوكالة الدولية للطاقة الذرية «IAEA»، في خطوة تعكس أهمية النتائج البحثية التي تحققت من خلال برامج استحداث الطفرات النباتية.
حضور علمي وتواصل مباشر مع زوار معرض العلمين الزراعي
وشهد جناح هيئة الطاقة الذرية المصرية في المعرض عرض عدد من منتجات وأصناف القمح المستنبطة من خلال برامج استحداث الطفرات، حيث شارك في عرض هذه المنتجات والتعريف بخصائصها وأهميتها الزراعية كل من الأستاذ الدكتور أحمد حجازي، رئيس مشروع تنمية الصحراء، والدكتور محمد علي عثمان، والدكتور محمد أحمد عفيفي، عضو فريق تربية الطفرات النباتية.
وحرص فريق العمل على التواصل المباشر مع زوار المعرض، وتقديم الشروحات العلمية المبسطة حول طبيعة هذه التقنيات ونتائج استخدامها في تطوير المحاصيل، إلى جانب الرد على استفسارات الجمهور والتعريف بجهود هيئة الطاقة الذرية المصرية في مجال استحداث وتحسين أصناف القمح.
وتؤكد هذه المشاركة أن التقنيات النووية لا تقتصر تطبيقاتها على المجالات المعروفة، وإنما تمتد إلى مجالات حيوية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها الزراعة وإنتاج الغذاء، من خلال توظيف العلوم الحديثة في تطوير المحاصيل وتحسين قدرتها على الإنتاج في ظل الظروف الزراعية المختلفة.
البحث العلمي في خدمة الأمن الغذائي
وتعكس جهود هيئة الطاقة الذرية المصرية في مجال استحداث الطفرات النباتية توجهًا نحو توظيف البحث العلمي والتقنيات النووية السلمية في تحقيق نتائج عملية تخدم الاقتصاد والزراعة المصرية، من خلال تطوير أصناف جديدة ذات إنتاجية مرتفعة وصفات زراعية محسنة.
ومع تزايد الحاجة إلى رفع كفاءة الإنتاج الزراعي وتعزيز الاعتماد على الموارد المحلية، تمثل مثل هذه البرامج البحثية أحد المسارات المهمة لدعم الأمن الغذائي، خاصة مع التركيز على محصول استراتيجي بحجم وأهمية القمح.
ومن معرض العلمين الزراعي، جاءت الرسالة واضحة: العلم والبحث والابتكار يمكن أن تتحول إلى أصناف جديدة وإنتاجية أعلى، لتصبح التقنيات النووية إحدى الأدوات العلمية التي تسهم في بناء زراعة مصرية أكثر إنتاجية واستدامة، ودعم الأمن الغذائي المصري. 🇪🇬




















