اللواء محيي نوح.. أسطورة الصاعقة وبطل المجموعة 39 قتال الذي خلدت بطولاته السينما المصرية
في سجل البطولات المصرية، أسماء لا تُكتب بالحبر فقط، بل تُكتب بالتضحيات والدماء والسنوات التي قضاها أصحابها في ميادين القتال دفاعًا عن الأرض والكرامة. ومن بين هذه الأسماء يبرز اللواء أركان حرب محيي نوح، أحد أبرز قادة الصاعقة المصرية، وأحد أبطال المجموعة 39 قتال، وأحد الفدائيين الذين تركوا بصمة خالدة في تاريخ العسكرية المصرية، حتى استُلهمت من بطولاته وأحداث حياته بعض وقائع الفيلم الوطني «الممر».
من قرى الشرقية إلى ميادين البطولة
وُلد اللواء محيي الدين نوح في 6 أغسطس 1943 بإحدى قرى محافظة الشرقية، والتحق بالكلية الحربية، وتخرج فيها في 4 أبريل 1963.
ومنذ بدايته العسكرية، برز اسمه بين رجال الصاعقة، بعدما حصل على المركز الأول في الدورة 53 لفرقة معلمي الصاعقة عام 1963، ليُعيّن مدرسًا بمدرسة الصاعقة عقب تخرجه مباشرة.
ولم تكن مسيرته مجرد مسار وظيفي داخل القوات المسلحة، وإنما كانت سلسلة متواصلة من المهام والعمليات القتالية التي وضع خلالها حياته على المحك دفاعًا عن الوطن.
اليمن.. بداية طريق الفداء
شارك اللواء محيي نوح في حرب اليمن خلال الفترة من 1964 إلى 1966، ونفذ خلالها عددًا من العمليات الفدائية مع زملائه، ليحصل على ترقية استثنائية إلى رتبة نقيب تقديرًا لشجاعته وبطولاته.
ثم جاءت حرب يونيو 1967، لتفتح فصلًا جديدًا في مسيرته القتالية، حيث شارك ضمن إحدى كتائب الصاعقة في سيناء، وأسهم في إيقاف وتدمير تقدم لواء مدرع إسرائيلي بمنطقة جلبانة أثناء تحركه من العريش باتجاه القنطرة.
رأس العش.. ملحمة لا تُنسى
كان اللواء محيي نوح أحد المشاركين في معركة رأس العش التاريخية، وتولى قيادة مواقع رأس العش والكاب والتينة على قناة السويس ضمن قوات الصاعقة.
ومع تصاعد حرب الاستنزاف، أُلحق عام 1968 بإحدى كتائب الصاعقة للعمل مع إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع، قبل أن يقع عليه الاختيار ليكون أحد رجال المجموعة 39 قتال، تلك المجموعة التي ارتبط اسمها بأبرز العمليات الفدائية خلف خطوط العدو.
المجموعة 39 قتال.. رجال المهام المستحيلة
شارك محيي نوح مع المجموعة 39 قتال في عدد كبير من عمليات حرب الاستنزاف، من الإغارات والكمائن إلى قصف مواقع العدو بالصواريخ على الضفة الشرقية لقناة السويس، خلال الفترة من 1967 وحتى 1973.
ومن أبرز العمليات التي شارك فيها الهجوم على موقع لسان التمساح أمام مدينة الإسماعيلية، وهي العملية التي أُصيب خلالها، قبل أن يعود مجددًا إلى ميادين القتال.
وبعد استشهاد البطل العميد إبراهيم الرفاعي، تولى اللواء محيي نوح قيادة المجموعة 39 قتال، وقاد رجالها في الدفاع عن منطقة جبل مريم التابعة للجيش الثاني الميداني.
في حرب أكتوبر.. البطولة مستمرة
مع اندلاع حرب أكتوبر 1973، واصل اللواء محيي نوح مشاركته في العمليات العسكرية، وأسهم في تدمير حقول البترول بالجنوب، كما شارك في الدفاع عن مدينة الإسماعيلية خلال معارك الثغرة.
وبعد انتهاء الحرب، واصل خدمته في إدارة المخابرات والاستطلاع، ثم انتُدب للعمل بجهاز الاتصال بالمنظمات الدولية، حيث شارك في استلام الأراضي المصرية في جنوب سيناء وما عليها من منشآت ومبانٍ عقب الانسحاب الإسرائيلي.
أكثر من أربع إصابات.. والثمن كان غاليًا
لم تمر سنوات القتال دون ثمن، فقد تعرض اللواء محيي نوح لعدد من الإصابات خلال العمليات، من أبرزها إصابته في اليمن عام 1965، ثم إصابته في معركة رأس العش يوم 8 يوليو 1967، وإصابتان في موقع لسان التمساح يومي 19 أبريل و8 يوليو 1969.
وكانت تلك الإصابات سببًا في إنهاء خدمته العسكرية بعد سنوات طويلة من القتال والتضحيات.
أوسمة ونياشين تروي جانبًا من الحكاية
تقديرًا لبطولاته، حصل اللواء محيي نوح على عدد كبير من الأوسمة والأنواط العسكرية، من بينها ميدالية الترقية الاستثنائية من الرئيس جمال عبد الناصر عام 1965، ونوط الشجاعة العسكري من الطبقة الأولى عام 1969، ونوط الجمهورية العسكري من الطبقة الأولى عام 1970.
كما حصل على وسام النجمة العسكرية من الرئيس أنور السادات عام 1971، ونوط الجمهورية العسكري من الطبقة الأولى عام 1974، إلى جانب ميدالية جرحى الحرب وخطاب شكر وتقدير من وزير الحربية.
بطل في الملاكمة أيضًا
ولم تقتصر بطولات اللواء محيي نوح على ميادين القتال، فقد كان أيضًا بطلًا في رياضة الملاكمة، وحقق عددًا من البطولات، من بينها بطولة الجمهورية للناشئين عام 1960، وبطولة القطر المصري عام 1961، وبطولة القوات المسلحة المصرية عام 1972، إلى جانب البطولة العسكرية في إيران في العام نفسه.
بعد القوات المسلحة.. رسالة وطنية لم تتوقف
بعد انتهاء خدمته العسكرية، واصل اللواء محيي نوح عطاؤه في الحياة العامة، فشغل عضوية المجلس المحلي بمحافظة الجيزة ثم محافظة السادس من أكتوبر، وترأس لجنة الشباب والرياضة، كما تولى منصب المدير العام لشركة كاتوا للاستثمار.
وظل حاضرًا في المشهد الوطني من خلال نقل خبراته للأجيال الجديدة، والمشاركة في الندوات والمحاضرات واللقاءات داخل القوات المسلحة والجامعات والمؤسسات الرسمية والأهلية.
كما أصبح واحدًا من أبرز الشهود الذين يوثقون بطولات رجال القوات المسلحة المصرية، ويحكون للأجيال الجديدة قصصًا عاشوها بأنفسهم في ساحات القتال.
أربعة تكريمات رئاسية.. وذاكرة وطن لا تنسى أبناءها
حظي اللواء محيي نوح بأربعة تكريمات رئاسية بارزة؛ من الرئيس جمال عبد الناصر خلال حرب الاستنزاف، ومن الرئيس محمد أنور السادات خلال أول زيارة له للمجموعة 39 قتال، ومن المشير محمد حسين طنطاوي خلال احتفال يوم تفوق الصاعقة، ومن الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالية اليوبيل الذهبي لنصر أكتوبر المجيد.
واليوم، لا يمثل اللواء محيي نوح مجرد اسم في قائمة أبطال حرب الاستنزاف أو أحد قادة الصاعقة والمجموعة 39 قتال، بل يمثل ذاكرة حية لجيل حمل الوطن على كتفيه، وخاض أصعب المعارك، ودفع من جسده ودمه ثمنًا للدفاع عن مصر.
إنها سيرة رجل عسكري لم تنتهِ مهمته بانتهاء المعارك، وإنما تحولت رسالته بعد ذلك إلى توثيق البطولة وحفظ ذاكرة الوطن، حتى تظل قصص الرجال الذين صنعوا النصر حاضرة في وجدان الأجيال.
كل التحية والتقدير للواء أركان حرب محيي نوح، أحد أبطال مصر الذين ستظل بطولاتهم شاهدًا على أن للوطن رجالًا لا يترددون حين تناديهم أرضه. متعه الله بالصحة والعافية، وحفظه وأطال في عمره.
























































































