هل سالي الجباس مريضة نفسيًا؟.. جريمة قتل الأم تفتح بابًا صادمًا أمام الطب النفسي والقضاء
خنقتها حتى الموت.. ثم قطعت جثمانها على مدار يومين.. فهل كانت تدرك ما تفعله أم أن وراء الجريمة اضطرابًا نفسيًا؟
ما زالت جريمة المحامية سالي الجباس، المتهمة بقتل والدتها المسنة داخل شقتهما بمنطقة سيدي بشر في الإسكندرية، تثير حالة واسعة من الصدمة والجدل، ليس فقط بسبب تفاصيل الجريمة، وإنما بسبب السؤال الأصعب الذي أصبح مطروحًا بقوة: هل كانت المتهمة في كامل وعيها وإدراكها وقت ارتكاب الجريمة؟ أم أن هناك اضطرابًا نفسيًا أو عقليًا يقف وراء ما حدث؟
السؤال لم يعد مجرد تكهنات على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما قررت جهات التحقيق إحالة المتهمة إلى مستشفى المعمورة للصحة النفسية، لإجراء تقييم طبي متخصص لبيان مدى سلامة قواها العقلية والنفسية، وتحديد مدى مسؤوليتها عن الواقعة.
اعترافات صادمة.. البداية كانت مشاجرة
وفقًا لما نشرته وسائل إعلام عن التحقيقات، أقرت سالي بقتل والدتها، وقالت إن خلافًا نشب بينهما داخل الشقة، قبل أن يتطور الأمر إلى اعتداء انتهى بخنق الأم حتى فارقت الحياة.
وبحسب الاعترافات المنشورة، لم تنته الواقعة عند الوفاة، إذ قامت المتهمة بعد ذلك بتقطيع الجثمان على مدار يومين باستخدام سلاح أبيض، قبل أن تغادر المكان خشية افتضاح أمرها.
وهنا تحديدًا تتوقف العقول أمام تفاصيل يصعب استيعابها..
كيف يمكن لإنسان أن ينتقل من لحظة انفعال ومشاجرة إلى التعامل مع جثمان والدته بهذه الطريقة؟
وهل ما حدث بعد الوفاة كان مجرد محاولة لإخفاء الجريمة؟ أم أن وراءه حالة نفسية تحتاج إلى تفسير طبي متخصص؟
لماذا ظهرت فرضية المرض النفسي؟
تداول البعض معلومات عن مرور المتهمة بظروف شخصية قاسية، وما أثير حول تعرضها لأزمات نفسية ومحاولات سابقة لإيذاء نفسها، إلى جانب ما ذكر عن مشكلات أسرية وزيجات وطلاقات وتجارب مؤلمة مرت بها.
لكن من المهم التأكيد أن المرور بأزمات نفسية أو الإصابة بالاكتئاب لا يعني تلقائيًا فقدان الإدراك أو عدم المسؤولية الجنائية.
وهذه النقطة هي التي تجعل تقرير الطب النفسي المنتظر بالغ الأهمية؛ فالمطلوب ليس فقط معرفة ما إذا كانت سالي تعاني من مرض نفسي، وإنما تحديد حالها العقلية والنفسية وقت ارتكاب الجريمة تحديدًا، ومدى قدرتها على إدراك طبيعة أفعالها والسيطرة عليها.
هدوؤها بعد الجريمة.. هل يعني أنها كانت واعية؟
من بين الأمور التي أثارت الجدل، ما نُسب إلى شهود وجيران من أنها ظهرت بعد الواقعة بصورة هادئة، وتعاملت مع أسئلة المحيطين بها بشأن الرائحة المنبعثة من الشقة، قبل أن تغادر المكان ويتم ضبطها لاحقًا.
كما أشارت التحريات المنشورة إلى أن المتهمة غادرت الشقة بعد الواقعة، وتمكنت الأجهزة الأمنية من ضبطها في مكان اختبائها.
لكن هل الهدوء بعد ارتكاب جريمة يعني بالضرورة أن الشخص سليم نفسيًا؟
الإجابة: ليس بالضرورة.
فالمظهر الخارجي وحده لا يكفي للحكم على الحالة النفسية أو العقلية للمتهم، ولا يمكن للجمهور أو حتى المحيطين بالشخص أن يحلوا محل الطبيب النفسي الشرعي في تقييم حالته.
وفي المقابل.. لماذا يرى البعض أنها كانت مدركة لما فعلته؟
هناك اتجاه آخر يرى أن تصرفات المتهمة بعد الجريمة، وفق ما ورد في التحقيقات والتحريات، قد تشير إلى إدراكها لما حدث ومحاولتها التعامل مع تبعاته، وهو ما يترك الباب مفتوحًا أمام فرضية أنها كانت مسؤولة عن أفعالها.
لكن هذه أيضًا ليست نتيجة قضائية أو طبية نهائية.
فالقدرة على التصرف بصورة تبدو منظمة بعد ارتكاب جريمة لا تكفي وحدها لإثبات أو نفي المرض النفسي، وإنما الأمر يحتاج إلى فحص شامل وتقييم متخصص.
هل المرض النفسي يعني الإفلات من العقاب؟
وهنا يجب الفصل بين أمرين يختلطان كثيرًا على الجمهور:
المرض النفسي شيء، وانعدام المسؤولية الجنائية شيء آخر.
فليس كل شخص يعاني من اضطراب نفسي يكون فاقدًا للإدراك أو غير مسؤول عن أفعاله.
ولهذا فإن قرار إحالة سالي إلى مستشفى المعمورة لا يعني أنها ثبتت إصابتها بمرض نفسي، وإنما يعني أن الجهات المختصة تريد الحصول على تقييم طبي يساعدها في تحديد حالتها ومسؤوليتها الجنائية.
الطب النفسي أمام السؤال الأصعب
القضية الآن أمام مسارين متوازيين:
الأول هو المسار الجنائي، الذي يبحث في كيفية وقوع الجريمة والأدلة والاعترافات وشهادات الشهود.
والثاني هو المسار الطبي النفسي، الذي يبحث في حالة المتهمة العقلية والنفسية، وما إذا كانت تعاني من اضطراب يؤثر على إدراكها أو قدرتها على التحكم في تصرفاتها وقت ارتكاب الجريمة.
والفاصل في هذا الجانب سيكون تقرير الأطباء المختصين، وليس انطباعات الجيران أو زملاء العمل أو رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
الجريمة أكبر من مجرد سؤال: "مريضة أم لا؟"
بعيدًا عن كل الجدل، تظل الحقيقة الأكثر قسوة أن الضحية كانت أم المتهمة، وأنها لقيت مصرعها داخل مسكنها في واقعة تركت صدمة عميقة لدى كل من تابع تفاصيلها.
والأصعب أن المتهمة نفسها كانت شخصية معروفة في الوسط القانوني والإعلامي، وظهرت في مناسبات وبرامج للحديث عن قضايا المرأة والطفل، وهو ما جعل اتهامها في جريمة بهذه الصورة صادمًا لمن عرفوها أو تابعوا ظهورها العام.
لكن في النهاية، لا يمكن للمظهر الاجتماعي أو المهني للشخص أن يكون دليلًا على سلامته النفسية، كما لا يمكن لبشاعة الجريمة وحدها أن تكون دليلًا على إصابته بمرض نفسي.
الحقيقة الكاملة ستتحدد من خلال التحقيقات والأدلة وتقرير الطب النفسي وما ستنتهي إليه المحكمة.
ويبقى السؤال الذي يشغل الرأي العام حتى الآن:
هل كانت سالي الجباس تعرف تمامًا ماذا تفعل عندما أنهت حياة والدتها؟ أم أن هناك مرضًا أو اضطرابًا نفسيًا يقف خلف واحدة من أكثر الجرائم صدمة؟
الإجابة ليست لمواقع التواصل الاجتماعي، ولا للتكهنات..
الإجابة المنتظرة من الطب النفسي والقضاء.
وفي جميع الأحوال، تبقى الرحمة للأم التي فقدت حياتها في واقعة مأساوية، ويبقى القصاص والعدالة مرهونين بما ستكشف عنه التحقيقات والأدلة والتقارير الطبية.













