الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 12:07 مـ 23 ربيع آخر 1448 هـ
قضية رأي عام
رئيس مجلس الإدارة هشام ابراهيم رئيس التحرير محمد صلاح
×

53 عامًا على نصر أكتوبر.. يوم عبرت مصر إلى الضفة الأخرى وغيّرت معادلات الحرب والسلام

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 11:09 صـ 23 ربيع آخر 1448 هـ
ارشيفيه
ارشيفيه

السادس من أكتوبر عام 1973، الموافق العاشر من رمضان 1393 هجريًا، بدأت مصر وسوريا حربًا ضد إسرائيل، في واحدة من أبرز محطات الصراع العربي الإسرائيلي، بعدما قررت القوات المسلحة المصرية عبور قناة السويس واستعادة زمام المبادرة بعد سنوات من حرب الاستنزاف وتداعيات حرب يونيو 1967.

وبعد مرور 53 عامًا، ما زال السادس من أكتوبر حاضرًا في الذاكرة المصرية باعتباره يومًا ارتبط بعبور القوات المصرية قناة السويس، واقتحام التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية، ورفع العلم المصري فوق المواقع التي كانت تحت الاحتلال منذ عام 1967. وتؤكد وثائق وزارة الدفاع المصرية أن العملية العسكرية تضمنت عبور القناة، وتكوين رؤوس كباري شرقها، وصد الهجمات المضادة، واستمرار العمليات حتى وقف إطلاق النار.

لماذا اندلعت حرب أكتوبر؟

جاءت الحرب بعد سنوات من الجمود العسكري والسياسي أعقبت حرب يونيو 1967، التي سيطرت خلالها إسرائيل على شبه جزيرة سيناء وأراضٍ عربية أخرى. وخلال الفترة التالية خاضت مصر حرب الاستنزاف، بينما استمرت الجهود السياسية للوصول إلى تسوية للنزاع دون تحقيق انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة.

وتشير وثائق وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن المنطقة دخلت عام 1973 في حالة من الجمود العسكري والسياسي، بعد وقف إطلاق النار الذي أنهى حرب الاستنزاف عام 1970، مع تعثر محاولات التوصل إلى تسوية دبلوماسية.

وفي مصر، اتجهت القيادة السياسية والعسكرية إلى إعادة بناء القوات المسلحة والتخطيط لعملية عسكرية تستهدف كسر حالة الجمود وفتح الطريق أمام استعادة الأراضي المصرية.

اختيار يوم السادس من أكتوبر

اختارت القيادة المصرية يوم السادس من أكتوبر 1973 لتنفيذ الهجوم، بالتزامن مع الهجوم السوري على جبهة الجولان.

وكان اختيار التوقيت جزءًا من خطة عسكرية وسياسية دقيقة، مستفيدًا من عوامل تتعلق بالتوقيت والموقف الإسرائيلي، إلى جانب عنصر المفاجأة. ووفقًا لهيئة الاستعلامات المصرية، صدّق الرئيس الراحل أنور السادات على خطة الحرب في الأول من أكتوبر، بعد اجتماع موسع مع قيادات القوات المسلحة.

الساعة الثانية ظهرًا.. بداية العبور

في تمام الساعة الثانية وخمس دقائق من بعد ظهر السادس من أكتوبر، بدأت العملية العسكرية المصرية بضربة جوية مكثفة استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية في سيناء.

ووفقًا للبيانات المصرية الرسمية، شاركت أكثر من 220 طائرة في الضربة الجوية الأولى، بالتزامن مع بدء التمهيد المدفعي على طول الجبهة. وأعقب ذلك عبور قوات المشاة قناة السويس باستخدام قوارب الاقتحام، ثم بدأ التعامل مع الساتر الترابي والتحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية.

وتذكر هيئة الاستعلامات المصرية أن التمهيد النيراني بدأ بالتزامن مع الضربة الجوية، وأن القوات المصرية استخدمت نحو ألف قارب اقتحام و1500 سلم، وتمكنت خلال الساعات الأولى من فتح عشرات الممرات في الساتر الترابي وإنشاء الكباري وتشغيل المعديات لتأمين تدفق القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية.

خط بارليف.. من "المانع الحصين" إلى نقطة العبور

كان خط بارليف من أبرز التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية لقناة السويس، وارتبط في الذاكرة العسكرية المصرية بفكرة المانع الذي كان يتعين على القوات عبوره للوصول إلى سيناء.

وبعد عبور القناة، بدأت القوات المصرية في اقتحام النقاط الحصينة وتوسيع رؤوس الكباري شرق القناة، بينما عملت وحدات المهندسين العسكريين على فتح الممرات في الساتر الترابي وإنشاء الكباري والمعديات اللازمة لانتقال القوات والمعدات.

وتوثق وزارة الدفاع المصرية مراحل العملية، بداية من الضربة الجوية والتمهيد النيراني والعبور وتدمير نقاط خط بارليف، مرورًا بتكوين رؤوس الكباري وصد الهجمات المضادة.

البيانات العسكرية الأولى

أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية بيانات متتابعة خلال يوم السادس من أكتوبر، رصدت تطورات العمليات.

وجاء في البيان الخامس أن القوات المصرية نجحت في اقتحام قناة السويس في قطاعات عديدة والاستيلاء على نقاط العدو القوية ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية للقناة.

وفي البيان التاسع، الذي تناول مجمل قتال يوم السادس من أكتوبر، أعلنت القيادة المصرية نجاح القوات المسلحة في عبور القناة والاستيلاء على معظم الشاطئ الشرقي، مع استمرار القتال لصد الهجمات المضادة.

الأيام الأولى للحرب

خلال الفترة من السادس وحتى الثالث عشر من أكتوبر، واصلت القوات المصرية تثبيت مواقعها شرق القناة وتطوير رؤوس الكباري، بينما نفذت القوات الإسرائيلية هجمات مضادة بهدف استعادة مواقعها.

وتشير مادة تدريبية منشورة عبر وزارة الدفاع المصرية إلى أن المرحلة الأولى للحرب، من 6 إلى 13 أكتوبر، شهدت استيلاء القوات المصرية على نقاط خط بارليف والوصول إلى عمق يتراوح بين 10 و12 كيلومترًا شرق قناة السويس.

وفي الوقت نفسه، كانت الجبهة السورية تشهد عمليات عسكرية واسعة في هضبة الجولان، ما جعل الحرب تدور على جبهتين رئيسيتين.

14 أكتوبر.. المعارك المدرعة

في الرابع عشر من أكتوبر دخلت العمليات مرحلة جديدة، وشهدت الجبهة المصرية معارك مدرعة واسعة.

وتوضح وثائق وزارة الدفاع المصرية أن هذه المرحلة ارتبطت بمحاولة تخفيف الضغط عن الجبهة السورية، بينما استمرت العمليات العسكرية على الجبهة المصرية وتطورت المواجهات خلال الأيام التالية.

الثغرة.. مرحلة جديدة في الحرب

بين الخامس عشر والسابع عشر من أكتوبر، شهدت الجبهة تطورات عسكرية جديدة، من بينها اختراق للقوات الإسرائيلية غرب قناة السويس عُرف لاحقًا باسم "الثغرة".

وبحسب العرض التاريخي المنشور على موقع وزارة الدفاع المصرية، أدت هذه العمليات إلى حدوث ثغرة بين الجيشين الثاني والثالث، إلا أن القوات المصرية تمكنت من محاصرة القوات الإسرائيلية وتكبيدها خسائر، بينما انتقلت المعارك إلى مناطق غرب القناة.

وتكشف الوثائق الأمريكية في المقابل أن القوات الإسرائيلية تمكنت خلال هذه المرحلة من عبور قناة السويس، وهو ما يؤكد أن الأيام الأخيرة من الحرب شهدت معارك شديدة التعقيد على ضفتي القناة.

معركة السويس

مع تقدم القوات الإسرائيلية غرب القناة، أصبحت مدينة السويس إحدى النقاط الرئيسية في المعارك الأخيرة.

وتشير وزارة الدفاع المصرية إلى أن القوات الإسرائيلية فشلت في الاستيلاء على مدينة السويس، وأن القوات المسلحة المصرية بالتعاون مع المقاومة الشعبية تمكنت من التصدي للهجوم.

وأصبحت مقاومة السويس واحدة من أبرز محطات الأيام الأخيرة للحرب، قبل تثبيت وقف إطلاق النار.

وقف إطلاق النار

في الثاني والعشرين من أكتوبر 1973، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 338، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار وبدء مفاوضات بين الأطراف المعنية.

لكن القتال لم يتوقف بصورة نهائية، وتبع القرار قرار آخر هو 339 في الثالث والعشرين من أكتوبر، ثم تطورت الأزمة مع استمرار الاشتباكات ومحاولات تثبيت وقف إطلاق النار.

وتوثق سجلات وزارة الخارجية الأمريكية أن مجلس الأمن أصدر القرار 339 في 23 أكتوبر لتأكيد وقف إطلاق النار والدعوة إلى عودة القوات إلى المواقع التي كانت عليها عند بدء سريان وقف إطلاق النار وإرسال مراقبين تابعين للأمم المتحدة.

كما توضح وزارة الدفاع المصرية أن مباحثات الفصل بين القوات بدأت لاحقًا، ومن بينها مباحثات الكيلو 101، التي تناولت وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والجرحى وترتيبات فصل القوات.

من الحرب إلى استعادة سيناء

لم تنتهِ قصة سيناء بانتهاء العمليات العسكرية في أكتوبر 1973، بل تحولت نتائج الحرب إلى مسار سياسي وعسكري طويل انتهى باستعادة مصر سيادتها على سيناء.

وتشير هيئة الاستعلامات المصرية إلى أن اتفاقيات فض الاشتباك في عامي 1974 و1975 أسفرت عن انسحابات إسرائيلية مرحلية واستعادة مساحات من سيناء، قبل أن تتوج المسيرة باتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، التي نصت على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء واستعادة السيادة المصرية عليها.

السادات.. من قرار الحرب إلى طريق السلام

ارتبطت حرب أكتوبر بالرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذي اتخذ قرار الحرب في ظل ظروف سياسية وعسكرية معقدة.

وبعد الحرب، انتقل السادات إلى مسار سياسي انتهى بمبادرات واتفاقيات سلام، من بينها زيارة القدس عام 1977، واتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.

وفي كلمات رسمية لاحقة، وصفت الرئاسة المصرية قرار السادات بالحرب بأنه كان خطوة أعادت لمصر والأمة العربية القدرة على فرض حضورها في مسار الصراع، ثم مهّدت الطريق أمام مسار السلام.

أكتوبر.. يوم في ذاكرة المصريين

لم يعد السادس من أكتوبر مجرد تاريخ في التقويم المصري، بل أصبح رمزًا لمرحلة فارقة في التاريخ الحديث لمصر.

ففي هذا اليوم، عبرت القوات المصرية قناة السويس، وبدأت عملية عسكرية استهدفت تغيير الوضع الذي فرضته حرب يونيو 1967، واستمرت العمليات لأسابيع قبل الوصول إلى ترتيبات وقف إطلاق النار والفصل بين القوات.

وتظل صور الجنود المصريين وهم يعبرون القناة، ويرفعون العلم المصري على الضفة الشرقية، من أبرز الصور التي تختصر ذاكرة الحرب في وجدان المصريين.

53 عامًا.. وما زالت الحكاية حاضرة

وبعد 53 عامًا على حرب السادس من أكتوبر، تستعيد مصر في كل عام تفاصيل تلك الأيام، من التخطيط والسرية، إلى الضربة الجوية والتمهيد المدفعي، وعبور القناة واقتحام التحصينات، ثم المعارك التي تلت العبور وصولًا إلى وقف إطلاق النار.

ويبقى الدرس الأبرز الذي ارتبط بحرب أكتوبر في الذاكرة المصرية هو قدرة الدولة على إعادة بناء قواتها، وإعداد خطة عسكرية معقدة، وتنفيذ عملية عبور واسعة لقناة السويس، ثم تحويل نتائج الحرب إلى مسار سياسي انتهى باستعادة سيناء.

53 عامًا مرت على السادس من أكتوبر.. وما زالت راية مصر التي ارتفعت فوق الضفة الشرقية للقناة حاضرة في الذاكرة المصرية، شاهدة على واحدة من أهم صفحات التاريخ الحديث لمصر.

رحم الله شهداء الوطن.. وتحيا مصر

موضوعات متعلقة