النفقة تتحول إلى دين قانوني.. مشروع قانون الأسرة الجديد يعيد رسم العلاقة المالية بين الزوجين
في تحرك تشريعي جديد يحمل أبعادًا اجتماعية وقانونية واسعة، بدأ مجلس النواب مناقشة مشروع قانون الأسرة الجديد، وسط حالة من الترقب المجتمعي لما يتضمنه من تعديلات تمس واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع المصري، وهي حقوق الزوجة والتزامات الزوج المالية.
ويأتي مشروع القانون في ظل متغيرات اقتصادية متسارعة فرضت تحديات كبيرة على الأسر، الأمر الذي دفع الدولة إلى إعادة النظر في عدد من المواد المنظمة لقضايا النفقة والرعاية المالية، بهدف تحقيق قدر أكبر من العدالة والاستقرار الأسري.
النفقة تتحول إلى «دين واجب السداد»
أبرز ما أثار الاهتمام داخل مشروع القانون هو ما ورد في المادة (56)، والتي اعتبرها متخصصون تحولًا جوهريًا في مفهوم النفقة داخل التشريع المصري.
فالمادة تمنح الزوجة الحق في الإنفاق على نفسها إذا امتنع الزوج عن النفقة أو تعذر عليه توفيرها بسبب الإعسار أو غياب المال، على أن تُحتسب هذه النفقات كدين قانوني واجب السداد على الزوج لاحقًا.
ويعني ذلك أن الزوجة لن تُترك دون حماية مالية في أوقات الأزمات، بل سيكون لها سند قانوني يضمن استرداد ما أنفقته على نفسها أو على احتياجاتها الأساسية، وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو تعزيز الحماية الاقتصادية للمرأة داخل إطار الأسرة.
صلاحيات أوسع للقاضي لحماية الزوجة
ولم يتوقف المشروع عند منح الزوجة حق الإنفاق فقط، بل وسّع من صلاحيات القاضي للتعامل مع حالات تعثر النفقة بصورة أكثر مرونة.
فبحسب النصوص الجديدة، يحق للقاضي أن يأذن للزوجة بالإنفاق من مالها الخاص مع إثبات ما تنفقه كدين على الزوج، كما يمكنه إلزام من تجب عليه نفقتها شرعًا بالإنفاق عليها مؤقتًا، مع احتفاظه بحق الرجوع على الزوج لاحقًا.
كما أجاز القانون للزوجة اللجوء إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها الأساسية بعد الحصول على إذن قضائي، ليصبح للدائن الحق القانوني في مطالبة الزوج بسداد هذه الديون.
ويرى متابعون أن هذه الآليات تمثل محاولة لتحقيق توازن بين الاعتبارات الشرعية والواقع الاقتصادي، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة معدلات النزاعات الأسرية المتعلقة بالنفقة.
قيود جديدة على دعاوى زيادة أو تخفيض النفقة
وفي المادة (55)، وضع مشروع القانون ضوابط جديدة تتعلق بتعديل قيمة النفقة، حيث نص على عدم قبول دعاوى الزيادة أو التخفيض قبل مرور عام كامل على الحكم بها، إلا في الحالات الاستثنائية.
ويهدف هذا التعديل إلى الحد من تكرار الدعاوى القضائية التي تشهدها محاكم الأسرة بصورة مستمرة، بما يساهم في تخفيف العبء عن القضاء وتحقيق قدر من الاستقرار المالي داخل الأسرة.
ورغم ذلك، منح المشروع القاضي سلطة استثنائية للتدخل قبل انتهاء العام إذا ظهرت ظروف طارئة أو تغييرات جوهرية تستدعي إعادة تقدير النفقة.
سقوط النفقة بعد الطلاق في حالة الإعسار
ومن بين المواد التي أثارت جدلًا واسعًا، جاءت المادة (57)، والتي تناولت حالة إعسار الزوج وطلب الزوجة الطلاق لهذا السبب.
فوفقًا للنص، إذا ثبت عجز الزوج ماليًا، وطلبت الزوجة التطليق بسبب الإعسار، ثم حكم القاضي بالطلاق، فإن الزوجة لا تستحق نفقة بعد انتهاء العلاقة الزوجية.
ويفتح هذا النص بابًا واسعًا للنقاش بين المختصين، بين من يراه تحقيقًا للتوازن وعدم تحميل الزوج أعباءً يستحيل الوفاء بها، وبين من يعتبره قد يضع الزوجة في مواجهة صعوبات معيشية بعد الانفصال.
مشروع يفتح باب الجدل المجتمعي
ومع بدء مناقشات مشروع القانون داخل البرلمان، تتجه الأنظار إلى الصيغة النهائية التي ستخرج بها مواد القانون، خاصة مع ارتباطها المباشر بحياة ملايين الأسر المصرية.
ويؤكد مراقبون أن مشروع قانون الأسرة الجديد لا يقتصر على تعديل مواد قانونية فقط، بل يعكس توجهًا لإعادة صياغة العلاقة المالية داخل الأسرة بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحالية، في محاولة لتحقيق معادلة أكثر توازنًا بين الحقوق والواجبات

