الإثنين 23 فبراير 2026 01:17 مـ 6 رمضان 1447 هـ
قضية رأي عام
رئيس مجلس الإدارة هشام ابراهيم رئيس التحرير محمد صلاح
×

محكمة جنايات مستانف الفيوم تنتصر للعدالة وتقضي بالبراءة بعد حكم الدستورية بشأن جداول المخدرات

الإثنين 23 فبراير 2026 09:33 صـ 6 رمضان 1447 هـ
محكمة جنايات الفيوم
محكمة جنايات الفيوم

في أول تطبيق قضائي لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 16 فبراير 2026، أرست محكمة جنايات مستأنف الفيوم برئاسة القاضي شريف إسماعيل مبدأً مهماً في مجال الشرعية الجنائية، وذلك أثناء نظر اتهام بإحراز مادة «الأندازول كاربوكساميد» بقصد الاتجار.

محكمة جنايات مستانف الفيوم تنتصر للعدالة وتقضي بالبراءة بعد حكم الدستورية بشأن جداول المخدرات

وأكدت المحكمة أن التجريم لا يقوم إلا بنص صحيح صادر من جهة مختصة، وأن سقوط السند الدستوري لإدراج المادة يهدم الركن الشرعي للجريمة ويعيد الفعل إلى أصل الإباحة، وقضت ببراءة المتهم من الاتهام المسند إليه بعد الحكم عليه بالسجن المشدد 15 سنة.

أوضحت المحكمة في حيثيات حكمها إن الواقعة حسبما استقرت في يقين المحكمة واطمأن إليه وجدانها تتحصل فيما نسبته سلطة الاتهام إلى المتهم من أنه أحرز بقصد الإتجار مادة “الأندازول كاربوكساميد” المدرجة – وقت الضبط – بأحد جداول المواد المخدرة الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960 المعدل، وطلبت عقابه بالمواد الواردة بأمر الإحالة.

وحيث إنه عن موضوع الدعوى، فإن المحكمة برئاسة المستشار شريف اسماعيل تمهد لقضائها بأن الأصل في التجريم والعقاب هو خضوعهما لمبدأ الشرعية الجنائية، وهو مبدأ دستوري قوامه أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، وقد كفله الدستور المصري بنص المادة (95) منه التي جرى نصها على أن «العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون»، كما قررت المادة (96) أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له فيها ضمانات الدفاع»، وهو ما يقتضي أن يكون نص التجريم قائماً وصحيحاً ومحدداً ومعلوماً ومصدراً من سلطة تملك إنشاءه.

وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن مبدأ الشرعية الجنائية يتطلب أن يكون النص العقابي واضح الحدود، محدد الأركان، صادراً من السلطة التي خولها الدستور ذلك، وإلا كان منعدماً لا يجوز إعماله، إذ لا يجوز القياس في مجال التجريم ولا التوسع في تفسير النصوص العقابية، وأن الحرية الشخصية التي كفلتها المادة (54) من الدستور لا يجوز المساس بها إلا استناداً إلى نص قانوني صحيح قائم.

وكان الثابت من نص المادة (32) من القانون رقم 182 لسنة 1960 في شأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها أن المشرع قد خول وزير الصحة – دون غيره – سلطة تعديل الجداول الملحقة بالقانون بالإضافة أو الحذف أو النقل، وهو تفويض تشريعي محدد بحدود الجهة المختصة، لا يجوز التوسع فيه أو القياس عليه لارتباطه المباشر بقيام الركن الشرعي للجريمة.

وقد جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن التفويض التشريعي لا يجوز أن يجاوز مداه أو ينتقل إلى غير من حدده القانون، وأن صدور القرار التنظيمي من جهة غير مختصة يجعله عديم الأثر قانوناً في المجال الجنائي، لأن التجريم من أخطر مظاهر السلطة العامة ولا ينشأ إلا وفق الضوابط الدستورية.

حكم فارق في قضايا المخدرات.. الدستورية تهدم الأساس القانوني للتجريم
لما كان ذلك، وكان إدراج مادة “الأندازول كاربوكساميد” قد تم استناداً إلى قراري رئيس هيئة الدواء المصرية رقمي 481 لسنة 2021 و600 لسنة 2023، وهي جهة لا تملك قانوناً سلطة تعديل الجداول، فإن القرار يكون قد صدر من غير مختص بإصداره مجاوزاً حدود التفويض التشريعي المقرر بالمادة سالفة البيان.

وقد حسمت المحكمة الدستورية العليا هذا الخلاف بحكمها الصادر بجلسة 16 فبراير 2026 في الدعوى رقم 33 لسنة 47 قضائية دستورية، إذ قضت بعدم دستورية قرارات رئيس هيئة الدواء المصرية الصادرة بإدراج مواد بجداول المخدرات وسقوط ما ترتب عليها من آثار، تأسيساً على مخالفتها لمبدأ الشرعية الجنائية ولصدورها من غير الجهة التي حددها المشرع، بما مؤداه زوال السند القانوني الذي استند إليه الاتهام في اعتبار تلك المادة من المواد المخدرة المؤثمة قانوناً.

وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية نص عقابي أو الأداة المنشئة له في المجال الجنائي هو قضاء كاشف، يترتب عليه انعدام النص منذ نشأته واعتباره كأن لم يكن، وقد نصت المادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 على أن أحكام المحكمة وقراراتها ملزمة للكافة ولجميع سلطات الدولة، ويترتب على الحكم بعدم الدستورية عدم جواز تطبيق النص المقضي بعدم دستوريته من اليوم التالي لنشر الحكم، على أن أثره في المسائل الجنائية يمتد إلى الوقائع السابقة.

وقد استقر قضاء محكمة النقض على أنه «إذا قضي بعدم دستورية نص جنائي أو لائحة منشئة له وجب على المحاكم الامتناع عن تطبيقه على الوقائع السابقة واللاحقة على السواء، باعتباره معدوماً منذ صدوره»، كما قضت بأن «الحكم بعدم الدستورية ينفي عن الفعل صفة التجريم ويعيده إلى أصل الإباحة»، وأنه «يتعين على محكمة الموضوع أن تقضي بالبراءة متى زال النص الذي استند إليه الاتهام».

وإذ كان الاتهام قد أقيم برمته على اعتبار المادة المضبوطة من المواد المخدرة استناداً إلى القرارات سالفة البيان التي سقطت دستورياً، فإن الركن الشرعي للجريمة يكون قد انهار ولا يبقى للفعل وصفه الجنائي، إذ لا جريمة بغير نص صحيح قائم وقت ارتكابها.

ولا ينال من ذلك القول بثبوت الإحراز مادياً، إذ أن التجريم في جرائم المخدرات ليس قائماً على مجرد الحيازة المادية بل على حيازة مادة يسبغ عليها القانون وصف المخدر، فإذا انتفى هذا الوصف انتفى التجريم ذاته وأصبح الفعل في حكم المباح قانوناً.

وقد جرى قضاء محكمة النقض على أن «تحديد ماهية المادة المخدرة عنصر جوهري في قيام الجريمة، فإذا فقدت المادة صفتها القانونية انتفى الركن الشرعي للجريمة ولو ثبتت الحيازة مادياً».

كما ينتفي تبعاً لذلك القصد الجنائي، ذلك أن الركن المعنوي في جرائم المخدرات يقتضي علم الجاني بأن ما يحرزه مادة مخدرة مجرمة قانوناً، وقد قضت محكمة النقض بأن القصد الجنائي في جرائم المخدرات لا يتحقق إلا بثبوت العلم بحقيقة المادة المخدرة علماً يقينياً، ولا يفترض هذا العلم ولا يقوم على نص تبين عدم وجوده قانوناً.

وإذ كان النص المنشئ للتجريم قد تبين عدم دستوريته وانعدامه، فلا يتصور مساءلة المتهم عن مخالفة قاعدة قانونية غير قائمة، إذ أن القانون المنعدم لا يرتب التزاماً ولا ينشئ علماً ولا يجوز مؤاخذة الأفراد على مخالفة حكم لم يولد صحيحاً في النظام القانوني.

وحيث أن الشرعية الجنائية لا تتحقق إلا بنص صادر من سلطة تملك إنشاؤه وفقاً للدستور، وأن النص الباطل لا ينشئ التزاماً ولا يصلح مصدراً للعقابب .

وحيث أن التجريم لا يقوم إلا بنص محدد قائم وقت الفعل، وأن الحكم بعدم الدستورية يكشف عن انعدام النص منذ نشأته ويعيد الفعل إلى دائرة الإباحة.
ومن ثم تكون الدعوى الجنائية قد أقيمت على غير أساس صحيح من القانون، ويتعين القضاء بإلغاء الحكم المستأنف وبراءة المتهم مما أسند إليه عملاً بالمادة 1/304 من قانون الإجراءات الجنائيه.