راي عام يكشف كيف تحولت قضية ”فتاة بورسعيد” إلى صراعات على الدعم؟
كشف المستشار هشام ابراهيم المحامي بالنقض كواليس الصراع علي الدعم في قضية فاطمة عروسة بورسعيد
حين تتقاطع مأساة إنسانية مفجعة مع عالم السوشيال ميديا، تتحول القضية غالباً من مسارها القانوني والأخلاقي البحت إلى مادة دسمة للاستقطاب الرقمي. ولعل واحدة من أبرز القضايا التي جسّدت هذا التحول السلبي، هي قضية مقتل المجني عليها داليا الحوشي في بورسعيد (المعروفة إعلامياً بقضية فتاة أو ضحية بورسعيد)، والتي لم تصدم المجتمع بفظاعة الجريمة وحدها، بل بصدمة أكبر تمثلت في تحول تفاصيلها إلى "ساحة معركة" وصراع محتدم على الدعم وحصد المشاهدات والـ "تريند" على منصات التواصل الاجتماعي.
منصات التواصل: من فضاء للتضامن إلى حلبة صراع
بدلاً من أن توحد المآسي الكبرى القلوب حول طلب العدالة للضحية ودعم أسرته المكلومة، شهدت منصات مثل "تيك توك"، "فيسبوك"، و"يوتيوب" انقساماً حاداً في تشكيل جبهات الدعم. ظهرت تيارات افتراضية تتنافس في استقطاب التعاطف، بعضها ركز على استعراض تفاصيل مثيرة للجدل، وأخرى سعت لتسليط الضوء على زوايا معينة بغرض حصد التفاعل المادي والرقمي (المشاهدات والهدايا الافتراضية).
هذا التنافس المحموم أدى إلى تشويه القضية الأصلية، حيث تحول المتابع العادي من متعاطف مع قضية رأي عام عادلة إلى مشارك في استهلاك محتوى استغلالي يقتات على آلام الأطراف المعنية. الصراع هنا لم يكن صراع حق وباطل، بل صراع خوارزميات ومنصات تبحث عن إبقاء اسم القضية في صدارة التريند بأي ثمن.
استغلال المأساة لأجل "التريند"
لم تقتصر صراعات الدعم على الآراء المتضاربة، بل تعدتها إلى ظاهرة مقلقة تتمثل في "تجارة التعاطف". سعت بعض الصفحات والحسابات إلى صناعة بطولات وهمية أو تبني حملات دفاع وهجوم وهمية بغرض زيادة نسب الوصول والمتابعين. وأمام هذا الإفراط الرقمي، ضاعت الحقيقة وسط زحام الصراخ المستعار، وتحولت الدموع إلى محتوى تسويقي يُعرض على الشاشات لجمع الأرباح والمشاهدات.
هذا الاستغلال البشع للمآسي الإنسانية أفرز حالة من التبلد الوجداني لدى قطاع واسع من الجمهور، الذي بدأ يدرك تدريجياً أن جزءاً كبيراً مما يدور على منصات التواصل الاجتماعي ليس سوى استعراض أجوف يفتقر إلى الإنسانية الحقيقية.
الخاتمة
إن تحول القضايا الجنائية الكبرى إلى صراعات على الدعم الرقمي يعكس أزمة أخلاقية تعاني منها بيئة السوشيال ميديا المعاصرة، حيث تُختزل آلام الضحايا وأرواحهم في أرقام مشاهدات وأرباح مادية. تبقى قضية فتاة بورسعيد درساً قاسياً ومؤلماً يطرح تساؤلات عميقة حول مدى قدرة المجتمع الرقمي على الحفاظ على بوصلته الأخلاقية، وحماية القضايا الإنسانية من أن تصبح سلعة رخيصة في سوق "التريند".
