مصر والسودان تتحركان لمحاسبة إثيوبيا.. لجنة مشتركة لحصر أضرار سد النهضة تمهيدًا للمطالبة بالتعويضات
مصر والسودان تتحركان لمحاسبة إثيوبيا.. لجنة مشتركة لحصر أضرار سد النهضة تمهيدًا للمطالبة بالتعويضات
في تطور جديد يحمل أبعادًا سياسية وقانونية في ملف سد النهضة الإثيوبي، تتجه مصر والسودان إلى اتخاذ خطوات مشتركة لحصر وتقييم الأضرار الناتجة عن إنشاء وتشغيل السد، تمهيدًا لبحث المطالبة بتعويضات عن الخسائر التي لحقت بدولتَي المصب، في تحرك يعكس انتقال التعاون المصري السوداني من التنسيق السياسي والفني إلى دراسة مسارات قانونية أكثر وضوحًا لمواجهة التداعيات المحتملة للسد الإثيوبي.
وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الخلاف بين القاهرة والخرطوم من جهة، وأديس أبابا من جهة أخرى، بشأن الإدارة المنفردة للسد وغياب اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد تشغيله وتبادل البيانات المتعلقة به، بما يضمن حماية المصالح المائية لدولتي المصب.
لجنة مشتركة لتقييم الأضرار والمطالبة بالتعويضات
أعلن وزير الموارد المائية والري المصري الدكتور هاني سويلم عن التوافق على تشكيل لجنة مشتركة بين مصر والسودان لحصر وتقييم الآثار السلبية للسد الإثيوبي، وتحديد الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي ترتبت على الإجراءات الإثيوبية الأحادية.
وتشمل أعمال التقييم الأضرار المادية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما يسمح بتكوين صورة شاملة عن حجم التداعيات التي تعرضت لها الدولتان، وتوفير قاعدة فنية موثقة يمكن الاستناد إليها عند دراسة المطالبات بالتعويضات.
وكانت القاهرة والخرطوم قد أعلنتا، خلال اجتماعات الجولة الثالثة لآلية التشاور «2+2» التي جمعت وزراء الخارجية والري في البلدين بالقاهرة يوم 2 نوفمبر 2026، توافقهما على دراسة الخسائر الناتجة عن السد، وبحث إمكانية الحصول على تعويضات عنها.
وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن التحرك المشترك لا يقتصر على حصر الأضرار، بل يمتد إلى دراسة المسارات القانونية والدبلوماسية، بما في ذلك التعامل مع الشركات التي تشارك في تنفيذ مشروعات إثيوبية أحادية قد تلحق أضرارًا بدولتي المصب.
ما الأضرار التي تسعى اللجنة إلى حصرها؟
من المنتظر أن يركز التقييم المشترك على مجموعة من الملفات التي ترتبط بالأمن المائي والاقتصادي والبيئي في مصر والسودان، أبرزها:
1. الأضرار المائية: تقييم تأثير الإدارة المنفردة للسد على تدفقات مياه النيل، ومدى تأثير قرارات التخزين والتشغيل على انتظام وصول المياه إلى دولتي المصب.
2. الأضرار الاقتصادية: دراسة الخسائر المحتملة التي قد تتعرض لها قطاعات الزراعة والري والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بمياه النيل.
3. الأضرار البيئية: تقييم أي تغيرات محتملة في النظام البيئي وجودة المياه والتأثيرات المرتبطة بإدارة السد.
4. الأضرار الاجتماعية: رصد التداعيات التي قد تنعكس على المجتمعات المحلية والأنشطة المعيشية المرتبطة بالموارد المائية.
ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الملفات تمثل محاور للتقييم، ولا يعني الإعلان عن اللجنة أن جميع هذه الأضرار قد تم إثباتها بالفعل أو تحديد قيمتها المالية حتى الآن.
ماذا يقول القانون الدولي بشأن تعويضات أضرار السدود؟
يستند التحرك المصري السوداني إلى مبادئ أساسية في القانون الدولي المنظم لاستخدام المجاري المائية الدولية، وفي مقدمتها مبدأ عدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول أخرى، وضرورة الإخطار المسبق والتشاور وتبادل المعلومات بشأن المشروعات التي يمكن أن تؤثر على الدول المشتركة في النهر.
وتتضمن اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، في المادة السابعة، التزام الدول باتخاذ التدابير المناسبة لمنع وقوع أضرار جسيمة بدول المجرى المائي الأخرى.
كما تنص المادة نفسها على أنه في حالة وقوع ضرر جسيم، يتعين اتخاذ التدابير المناسبة لإزالة الضرر أو تخفيفه، ومناقشة مسألة التعويض عند الاقتضاء.
وتؤكد المادة الثامنة أهمية التعاون بين الدول المتشاركة في الأنهار الدولية، بينما تتناول المادتان الحادية عشرة والثانية عشرة تبادل المعلومات والإخطار بشأن المشروعات التي قد تكون لها آثار سلبية على الدول الأخرى.
وبالتالي، فإن توثيق الأضرار بصورة علمية وفنية دقيقة يمثل خطوة أساسية لأي تحرك قانوني محتمل، إذ يتطلب إثبات المسؤولية الدولية تحديد الضرر، وإثبات العلاقة بينه وبين التصرف محل الاعتراض، وتحديد الأساس القانوني للمطالبة.
لكن ذلك لا يعني أن التعويضات أصبحت مستحقة بحكم قضائي أو أن إثيوبيا أُدينت دوليًا بالفعل؛ فما زالت المطالبة في مرحلة الدراسة والتقييم.
تحركات مصرية سودانية تتجاوز ملف التعويضات
لم تقتصر نتائج اجتماعات آلية «2+2» على ملف سد النهضة، وإنما تضمنت حزمة من الإجراءات لتعزيز التعاون المائي بين البلدين، باعتبار أن الأمن المائي المصري والسوداني يرتبط بصورة مباشرة.
ومن أبرز هذه الإجراءات:
- إعادة تفعيل البعثة الفنية المصرية السودانية المشتركة لمتابعة جودة المياه في بحيرة ناصر، لأول مرة منذ عام 2013.
- تقديم دعم فني مصري للسودان لإعادة تأهيل خزان جبل أولياء.
- تطوير مركز التنبؤ التابع للسودان لتعزيز قدراته في متابعة التغيرات المائية.
- تنفيذ مشروعات للحماية من الفيضانات وحصاد مياه الأمطار وإنشاء محطات لمياه الشرب.
- تبادل الخبرات والتدريب وبناء القدرات الفنية في مجال إدارة الموارد المائية.
كما وقع الجانبان مذكرة تفاهم تستهدف دعم مشروعات مائية وتنموية في السودان، بما يعزز قدرة البلدين على مواجهة التحديات المائية وتحقيق الاستفادة المشتركة من الموارد المتاحة.
هل تنتقل أزمة سد النهضة إلى المسار القانوني؟
يمثل الإعلان عن حصر الأضرار ودراسة التعويضات تطورًا مهمًا في طريقة تعامل القاهرة والخرطوم مع أزمة سد النهضة، إذ يفتح الباب أمام إعداد ملف فني وقانوني يمكن استخدامه في التحركات الدبلوماسية أو القانونية الدولية مستقبلًا.
ومن بين المسارات التي قد تطرحها الدولتان، المطالبة بالتعويضات من خلال التفاوض، أو اللجوء إلى آليات تسوية المنازعات الدولية وفقًا للقواعد والاختصاصات القانونية المتاحة، إلى جانب التحرك تجاه الشركات التي تشارك في مشروعات مائية أحادية قد تترتب عليها أضرار لدول المصب.
وفي المقابل، سبق أن أعلنت إثيوبيا في أكتوبر 2026 تشكيل لجنة وطنية لتقييم ما وصفته بالخسائر الاقتصادية وفرص التنمية التي تقول إنها تعطلت بسبب مواقف مصر من مشروعات المياه، وهو ما يعكس استمرار التباين الحاد في مواقف الأطراف الثلاثة بشأن الحقوق المائية والمسؤوليات القانونية المرتبطة بنهر النيل.
ماذا تعني الخطوة الجديدة لمصر والسودان؟
تحمل الخطوة المصرية السودانية رسالة سياسية ودبلوماسية واضحة، مفادها أن البلدين يسعيان إلى توحيد موقفهما في مواجهة الإجراءات الأحادية المتعلقة بنهر النيل، وعدم الاكتفاء بالاعتراضات السياسية، وإنما العمل على توثيق الآثار المحتملة للسد وتحويلها إلى ملف فني وقانوني متكامل.
كما تعكس أهمية التنسيق بين القاهرة والخرطوم، خاصة أن السودان يقع جغرافيًا في موقع مباشر أسفل السد الإثيوبي، ما يجعل سلامة المنشآت المائية السودانية وأمان تشغيل السد من القضايا المهمة بالنسبة إليه، إلى جانب ارتباط الأمن المائي المصري باستقرار تدفقات مياه النيل.
وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بما ستتوصل إليه اللجنة المشتركة من نتائج، ومدى قدرتها على إثبات الأضرار وتقدير قيمتها، وتحديد المسؤوليات، وصولًا إلى اتخاذ قرار بشأن طبيعة المطالبات والإجراءات القانونية الممكنة.
وبذلك، لا يتعلق التحرك الجديد بمجرد إعلان سياسي عن المطالبة بالتعويضات، بل بمحاولة تأسيس ملف موثق يمكن أن يشكل ورقة ضغط قانونية ودبلوماسية جديدة في واحدة من أبرز قضايا الأمن القومي المصري والسوداني.
