قضية رأي عام

بداية أكتوبر.. قانون الإجراءات الجنائية الجديد قد يحرمك من التصرف في فلوسك ورفع الدعاوى بحكم غيابي

الإثنين 24 أغسطس 2026 12:46 مـ 10 ربيع أول 1448 هـ
بداية أكتوبر.. قانون الإجراءات الجنائية الجديد قد يحرمك من التصرف في فلوسك ورفع الدعاوى بحكم غيابي

مع بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد اعتبارًا من الأول من أكتوبر 2026، تبرز شبهة دستورية بشأن المادة 372، لما ترتبه من آثار واسعة على أموال المحكوم عليه غيابيًا، تصل إلى حرمانه من التصرف في أمواله أو إدارتها، وكذلك من رفع أي دعوى باسمه، بمجرد صدور حكم غيابي بالإدانة.

وتنص المادة، بحسب النص محل الجدل، على أن الحكم الصادر بالإدانة في غيبة المتهم «يستلزم حتمًا» حرمانه من التصرف في أمواله أو إدارتها أو رفع أية دعوى باسمه، مع بطلان ما يجريه من تصرفات أو التزامات.

ولا يقتصر هذا الأثر على الجرائم المرتبطة بالأموال، وإنما يمتد إلى الأحكام الغيابية بالإدانة أيا كانت طبيعة الجريمة، بما في ذلك جنايات التزوير والمخدرات والأسلحة النارية والقتل وغيرها من الجنايات.

وتتمثل أبرز نقاط الجدل في عبارة «يستلزم حتمًا»، التي قد تعني انتقال الأثر من كونه تدبيرًا تحفظيًا يخضع لتقدير القضاء إلى أثر قانوني تلقائي يترتب بمجرد صدور الحكم الغيابي، دون اشتراط بحث وجود خطر حقيقي يهدد الأموال أو تحديد مدى الحاجة إلى فرض الحراسة ونطاقها.

وتثور هنا تساؤلات بشأن مدى توافق هذا التنظيم مع الحماية الدستورية للملكية الخاصة، خاصة أن الملكية لا تقتصر على مجرد بقاء المال في ذمة صاحبه، وإنما تشمل كذلك حق التصرف فيه وإدارته واستغلاله.

كما تزداد أهمية الجدل الدستوري عند النظر إلى منع المحكوم عليه من «رفع أية دعوى باسمه»، باعتبار أن المادة 97 من الدستور تنص على أن التقاضي حق مصون ومكفول للكافة.

ويثير إطلاق هذا المنع تساؤلًا جوهريًا، خاصة أنه لا يقتصر على الدعاوى المتعلقة بالأموال محل الحراسة، وإنما يمتد بحسب ظاهر النص إلى «أية دعوى»، حتى لو كانت تتعلق بحق لا صلة له بالجريمة محل الحكم أو بالأموال الخاضعة للحراسة.

وتتصل المادة كذلك بضمانات أخرى قررها الدستور، من بينها المادة 35 الخاصة بحماية الملكية الخاصة، والمادة 96 التي تقرر أصل البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، والمادة 92 التي تحظر أن تصل القيود التشريعية على الحقوق والحريات إلى حد المساس بأصل الحق أو جوهره، فضلًا عن المادة 94 التي تقرر سيادة القانون أساسًا للحكم في الدولة.

وكانت المحكمة الدستورية العليا قد أكدت، في القضية رقم 26 لسنة 12 قضائية «دستورية» بجلسة 5 أكتوبر 1996، الطبيعة التحفظية للحراسة، وما يرتبط بها من ضرورة الالتزام بالضمانات القضائية اللازمة عند فرض القيود على الأموال.

ومن ثم، فإن محل الشبهة لا يتمثل بالضرورة في أصل إمكانية اتخاذ إجراءات تحفظية لحماية الأموال، وإنما في مدى جواز تحويل هذا الإجراء إلى أثر حتمي يترتب على كل حكم غيابي بالإدانة، دون تقدير قضائي لوجود الخطر أو الضرورة أو مدى التناسب بين الإجراء والهدف منه.

ويطرح ذلك سؤالًا أساسيًا: هل يجوز أن تتحول الحراسة من تدبير تحفظي يقدره القضاء عند قيام الضرورة إلى قيد تلقائي وشامل على أموال المحكوم عليه، يمتد في الوقت ذاته إلى حقه في التقاضي؟

ويرى الطرح القانوني محل الجدل أن أقوى مواضع الشبهة قد تتركز في عبارتين تحديدًا: «يستلزم حتمًا حرمانه من أن يتصرف في أمواله أو أن يديرها»، و«أو أن يرفع أية دعوى باسمه»، باعتبار أن هاتين العبارتين تنقلان الأثر من مجرد حماية تحفظية للأموال إلى قيود أوسع تمس مباشرة سلطات الملكية وحق التقاضي.

وبالتالي، فإن أي طعن دستوري محتمل قد ينصب على هذه العبارات تحديدًا، باعتبار أن المشرع، رغم سلطته في تنظيم الإجراءات والحقوق، يظل ملتزمًا بعدم تجاوز حدود الضرورة والتناسب أو المساس بجوهر الحقوق والحريات التي كفلها الدستور.