خطاب الكراهية ضد المرأة: من الكلمة إلى الجريمة
لا تولد الجريمة في لحظة غضب، ولا يخرج العنف للعلن من فراغ. لكل جريمة تاريخٌ وماضي خفي، يبدأ بفكرة، ويشتد بالكلمات وبالخطابات و بالمناقشات التي تثير البغضاء و الفتن، حتى يصبح الاعتياد على الكراهية أخطر من الكراهية نفسها كشعور بغيض.
كمرأة من هذا الجيل أراقب بكثب ما يحدث على الواقع و المواقع وخاصة ما يتناوله المجتمع العربي في منصات التواصل الاجتماعي، فأستشعر أن المرأة أصبحت القضية التي لا تغيب، لا لأنها حققت إنجازًا علميًا، أو ساهمت في بناء اقتصاد، أو أنقذت حياة مريض، بل لأنها تحولت، في نظر البعض، وأضع سطرا تحت البعض، إلى المتهم الدائم والسبب المباشر والخفي للكوارث و المشاكل. وكأن العالم العربي، بكل أزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وجد في المرأة شماعة يعلق عليها إخفاقاته و خساراته.
كل ساعة تُحاكم المرأة أمام محكمة افتراضية لا قانون فيها ولا قاضٍ. تُحاكم بسبب جسدها و لباسها و صوتها وسكونها و حركاتها، وبسبب عملها إن نجحت أو فشلت، وبسبب بقائها في بيتها إن اختارت ذلك. وفي النهاية، لا تنال البراءة البتة، بل هي مجرمة قبل أن تبدأ المحاكمة.
ولعلى الأخطر أن بعض الأصوات الناهقة لا تكتفي بالنقد أو الاختلاف، بل تصنع من الكراهية و العدوانية الفجة خطابًا تجتره يوميًا عبر المنصات ، ومن التحريض وسيلة لجذب المتابعين. وما إن تنتهي موجة حتى تبدأ أخرى، وكأن المجتمع لا يملك قضية يناقشها سوى المرأة.
وليس المقصود هنا تجريم الرأي أو مصادرة حرية التعبير، بالعكس فالنقاش مع عقل واعي هو أمر ضروي ، والاختلاف سنة من سنن الحياة. لكن هناك فرقًا شاسعًا بين الاختلاف الذي يبني الوعي، والخطاب الذي يجرّد الإنسان من كرامته ويزرع الاحتقار في النفوس. فحين تتحول المرأة إلى هدف دائم للشيطنة، فإننا لا نصنع رأيًا عامًا سليما، بل نصنع بيئة يصبح فيها العنف لغة مجتمعية أكثر قابلية للتبرير وهنا المأساة والطامة الكبرى.
ولم يعد هذا مجرد انطباع. فوفقًا لهيئة الأمم المتحدة ، قُتلت نحو خمسين ألف امرأة وفتاة خلال عام 2024 على يد أزواجهن أو أحد أفراد الأسرة، أي بمعدل امرأة كل عشر دقائق، فاليقف العالم دقيقة لقراءة الإحصائية لدراسة حجم الكارثة ، هذه الأرقام لا تقول إن الكلمة تقتل وحدها، لكنها تذكرنا بأن العنف لا يبدأ دائمًا بقبضة يد، بل قد يبدأ بفكرة تجد من يرددها، ومن يبررها، ومن يمنحها صبغة شرعية أيضا.
وفي عالمنا العربي، ما زالت أسماء ضحايا كثيرات تسكن الذاكرة الجماعية، لأن قصصهن لم تكن مجرد أخبار عابرة، بل جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة الخطاب الذي يسبق المأساة. فالجريمة لا تقع من فراغ، بل تتجذر من داخل مجتمع يتأثر بما يسمعه ويشاهده ويكرره كل يوم.
أما اقتصاديًا، فإن خسارة المرأة ليست خسارتها وحدها. فكل امرأة تُقصى عن العمل، أو تنسحب من المجال العام خوفًا من التشهير أو الكراهية، هي خسارة لعقل منتج ، ولمستقبل كان يمكن أن يضيف قيمة إلى المجتمع. إن التنمية لا تُبنى بإقصاء نصف المجتمع، بل بإطلاق طاقات جميع أفراده.
إنني لا أدافع عن المرأة لأنني امرأة، بل أدافع عن الإنسان عندما يُختزل في صورة نمطية و مشوهة، وعندما يُحاكم بسبب هويته لا بسبب أفعاله. فكرامة المرأة ليست قضية تخص النساء وحدهن، بل هي معيار لكرامة المجتمع كله.
وحين يصبح خطاب الكراهية عادة و عادي، يصبح الصمت شريكًا فالجريمة. لذلك فإن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نعاقب المجرم ، بل أن نمنع الفكرة من أن تتحول إلى ضحية، والكلمة من أن تتحول إلى رصاصة فتاكة، والكراهية من أن تصبح ثقافة تورثها الأجيال من جيل لجيل.
بقلم الدكتورة سارة صنصري

