وزارة الأوقاف تنشر نص خطبة الجمعة بعنوان ”دعوة الإسلام إلى التراحم”
نشرت وزارة الاوقاف نص موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان "دعوة الإسلام إلى التراحم"، مشيرة ان الهدف: التوعية بأن الإسلام دين الرحمة، وضرورة تراحم الناس فيما بينهم، كما حددت موضوع الخطبة الثانية: وآتوا حقه يوم حصاده، وهدفها التوعية بوجوب أداء الزكاة ومعرفة مقاديرها.
دعوة الإسلام إلى التراحم
الحمد لله الذي جعل الرحمة بين عباده صلة وأمانا، وبعث نبيه بالرحمة للعالمين إماما، وشيد به للألفة صرحا ومقاما، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما، وعن الجاهلين عفوا كريما، صلى الله وسلم وبارك عليه، أما بعد، فيا عبد الله:
١- تذوق جمال رحمة الحنان المنان، وهم بجمال لطفه في رياض الأنس، واشهد خفي الألطاف في ظواهر النفس، فسبحان من وسعت رحمته الأزمان، وعم جوده الإنس والجان، حتى غدت كل ذرة في الكون شاهدة بفضل رحمته، وكل نبضة في القلب موقنة بسابغ نعمته، إذ جعل - سبحانه - الرحمة لعرشه عنوانا، ولخلقه أمانا وحنانا، فقف بباب كرمه وقوف المتأملين، وجل بقلبك في آيات رب العالمين، لترى كل كائن في ملكوته قد ذاب حبا في كريم وداده، وسبح الوجود بأسره تقديسا لعظيم إمداده، مقرا لله بالفضل والجود، ومعترفا له بالكرم المشهود؛ فيا من يرجو من الله الغفران، ويا من يطمع في سابغ الإحسان، اعلم أن الله أرحم بعبده من الأم الوالدة بولدها، وأرأف بالخلق من لهفة المرضعة على فقد فلذة كبدها، وفي ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ورحۡمتي وسعتۡ كل شيۡءٖۚ﴾، ويقول ﷺ: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها».
٢- تنسم عبير الرحمة من الحضرة المحمدية، وتحل بجمال الرحمة في الجناب النبوي، واقتبس من أنوار الهدى المصطفوي، فهو معدن الألطاف الربانية، فقد كان قلب حضرته يرق للبهيمة المثقلة، ويحزن لليتيم في حجر الأرملة، يمسح بيمين الرفق دمعة اليتيم، ويجبر بفيض الحنان خاطر المسكين؛ تجلى لطفه في الصلاة فخففها لبكاء الصغير، وتسامى كمال رأفته إذ أنكر على من فجع الطير بولدها صيانة لذلك القلب الكسير، فما شق يوما على أصحابه بل كان بهم رؤوفا، ولا أعرض عن سائل بل كان به عطوفا، حتى فاضت رحمته على الجماد فحن إليه الجذع حنين المشتاق، وسرت أنواره في الأكوان فكان رحمة لكل الخلائق، فكن محمدي الطباع في الرأفة، ومصطفوي المنهج في الرحمة، لتمسي روحك مشكاة لهذا الجمال، ويغدو قلبك مرآة لهذا الكمال، مسترشدا بهدي نبيك في معاملة الأنام، ومقتديا بسيرته في نشر السلام، لتكون غياثا للضعيف، وسندا لكل عاجز ملهوف، وفي ذلك يقول النبي ﷺ: «إنما أنا رحمة مهداة».
- اجعل التراحم سبيلا لعمران الأوطان، وكن في مجتمعك كالغيث الهطول، وكالنسيم العذب في الرقة والسكون؛ فالأمة بجسدها الواحد تتساند، وبقلبها النابض بالود تتعاضد، اجعل من رفقك بالضعفاء بناء، ومن عطفك على المحتاجين وفاء، واجعل لسانك بالقول اللين نورا، وكن في وجوه البائسين سرورا، فالمجتمعات تبنى بقلوب متآلفة، لا بنفوس عن الخير متخالفة، ارحم صغير الناس لتنال الرفعة، ووقر كبيرهم لتبلغ المنعة، فالتراحم هو جوهر العمران، وبه يشرق نور الإيمان في كل أوان؛ فبقيمة الرحمة تبنى المؤسسات، وتزدان الحضارات، فهي مفتاح طلب العلم، والحال الشريف بين التلميذ والأستاذ، حيث قال ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء».
٤- أفض برحمتك على كل كائن وروح، ووسع دائرة رحمتك لتعم الأكوان، وكن بروحك غياثا لكل ذي حرمان، فالإيمان الحق لا يعرف القسوة، والقلب المستنير لا يطلب الجفوة، وانظر إلى رحمة الله كيف غفرت الذنب بسقية ماء، ورفعت صاحبها إلى أعلى سماء؛ فكن للحيوان في العطش ساقيا، وللطير عند الفزع حاميا، وكن لليتيم في الحزن صدرا، ولخاطر المسكين في الكسر جبرا، فما نزعت الرحمة إلا من شقي، وما نالها إلا كل تقي نقي، فاستبشر بعطاء الله الجزيل، وفضله الوافر الجميل، وفي ذلك يقول الحق: ﴿إن رحۡمت ٱلله قريبٞ من ٱلۡمحۡسنين﴾.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل القصد في الأمور نجاة، والشكر له على ما أسبغ من فضل وحياة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وبعد.
فيا أيها الزارع المجتهد: اعلم أن الزكاة واجبة في زرعك، مفروضة عليك من ربك سبحانه وتعالى، فأد زكاة زروعك، فإنها طهرة للنفس قبل أن تكون حقا للفقراء، ونماء للرزق قبل أن تكون نقصا في الظاهر؛ بها تزكى القلوب من شحها، وتبارك الأموال في نمائها، وتستجلب رحمات الله على الأرض، مستشعرا قول الله تعالى: ﴿خذۡ منۡ أمۡوٰلهمۡ صدقةٗ تطهرهمۡ وتزكيهم بها﴾، أدها طيبة بها نفسك، راضيا بها قلبك، مستشعرا أنها أمانة استخلفك الله فيها، وأن في كل حبة من زرعك حقا معلوما، فمن أدى زكاته طهر ماله، وارتفعت درجته، وكان من المفلحين، ومن بخل بها فقد حبس الخير عن نفسه قبل غيره، وضيق على قلبه قبل أن يضيق على الفقير، فبادر إلى أداء الحق، واسع في إيصال الخير، تكن من أهل البركة في الدنيا، والفوز في الآخرة.
أيها المكرم: إن زكاة الزروع والثمار قد بين الشرع مقاديرها بيانا شافيا، فجعل فيها العدل واليسر؛ فما سقي بماء السماء والأنهار بلا كلفة ولا مؤونة، ففيه العشر كاملا، أي: عشرة في المائة من الناتج، شكرا لنعمة الله وتيسيره، وما سقي بكلفة وجهد، كالسقي بالآلات والآبار، ففيه نصف العشر، أي: خمسة في المائة، مراعاة لما يتحمله المزارع من تعب ونفقة، حيث قال النبي ﷺ: «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر»، وتخرج الزكاة يوم الحصاد، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وءاتوا حقهۥ يوۡم حصادهۦۖ﴾، ليبقى المال طيبا مباركا، ويعم الخير بين العباد.

