”المسحراتي.. حكاية صوت يوقظ القلوب قبل الأجساد في ليالي رمضان”
مع حلول شهر رمضان المبارك، لا تقتصر أجواء البهجة على موائد الإفطار أو زينة الشوارع، بل تمتد لتُحيي مهنًا تراثية ارتبطت بروح الشهر الكريم، وعلى رأسها مهنة "المسحراتي" التي ما زالت حتى اليوم تمثل واحدة من أجمل طقوس السحور في العالم العربي، وخاصة في مصر.
في هدوء الليل، وقبل أذان الفجر بساعات، يتسلل صوت المسحراتي عبر الأزقة والحارات، ممسكًا بطبلته، يطرق عليها بنغمة مميزة، ويردد عبارات محفورة في الذاكرة الشعبية:
"يا نايم وحد الله.. اصحى يا نايم وحد الدايم"، في مشهد يحمل مزيجًا من الروحانية والحنين، ويوقظ ليس فقط النائمين، بل أيضًا مشاعر الانتماء لتراث عريق.
ورغم بساطة هذه المهنة، فإنها تحمل تاريخًا طويلًا يمتد عبر العصور. فبحسب الروايات، تعود جذور فكرة إيقاظ الناس للسحور إلى العصر النبوي، حين كان الصحابيان بلال بن رباح وعبدالله بن أم مكتوم يتناوبان الأذان، لتنبيه المسلمين بموعد السحور والإمساك.
لكن الشكل المعروف للمسحراتي تطور لاحقًا، خاصة خلال العصرين العباسي والفاطمي، حيث بدأ تعيين أشخاص خصيصًا لهذه المهمة. وفي مصر تحديدًا، ازدهرت هذه الظاهرة في عهد الدولة الفاطمية، حين كان الجنود يجوبون الشوارع لإيقاظ الناس، قبل أن تتحول إلى مهنة مستقلة لها طابعها الشعبي الخاص.
ويُروى أن الوالي عتبة بن إسحاق كان من أوائل من مارسوا هذه المهمة بشكلها الأقرب لما نعرفه اليوم، حيث كان يسير ليلًا من الفسطاط إلى مسجد عمرو بن العاص، مرددًا:
"يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة"، لتتحول بعدها إلى تقليد رمضاني أصيل يتوارثه الناس جيلًا بعد جيل.
ولم تقتصر هذه المهنة على مصر فقط، بل انتشرت في مختلف الدول العربية، مع اختلاف المسميات والطقوس؛ ففي الشام عُرف بـ"المُوقِظ"، وفي المغرب بـ"الطبّال"، لكن الهدف ظل واحدًا: إيقاظ الناس بروح إنسانية دافئة.
ورغم التطور التكنولوجي ووجود المنبهات الحديثة، لا يزال المسحراتي يحتفظ بمكانته الخاصة في قلوب المصريين، كرمز من رموز رمضان، يعكس البساطة والدفء وروح المشاركة المجتمعية.
المسحراتي ليس مجرد مهنة موسمية تستمر 30 يومًا، بل هو صوت التراث، ونبض الحارة، وذاكرة رمضان التي ترفض أن تُمحى مهما تغيرت الأزمنة.

