رمضان… حين تعود البيوت إلى دفء الروح وتستيقظ هوية الأوطان
ليس رمضان مجرد شهر في التقويم…
إنه اللحظة التي تستيقظ فيها ذاكرة المجتمعات، وتعود البيوت إلى دفئها الأول، وتستعيد القلوب ملامحها التي كادت أن تُرهقها سرعة الحياة.
في هذا الشهر، لا نصوم عن الطعام فقط، بل نصوم عن القسوة، عن القطيعة، عن الأنانية.
رمضان هو الامتحان الحقيقي لهوية الشعوب… هل ما زالت القيم حية؟ هل ما زالت العادات نابضة؟ أم أصبحت مجرد صور قديمة في ذاكرة الكبار؟
في شوارع مصر، تمتد موائد الرحمن بلا سؤال عن هوية أو انتماء. مسلم ومسيحي يتسابقان لإفطار صائم عابر، مشهد يتكرر كل عام وكأنه إعلان متجدد أن الروح المصرية لا تموت. وفي أحياء عربية كثيرة، تتحول الساحات إلى موائد جماعية تذيب الفوارق وتعيد تعريف معنى “الجيرة”.
أما في الإمارات، فلهذا الشهر طابع خاص… طابع يشبه البيوت القديمة حين كانت مفتوحة القلوب قبل الأبواب.
أطباق تنتقل بين الجيران قبل أذان المغرب، وأطفال يحملون الصحون في فرح، فلا يعود الطبق كما ذهب، بل يرجع محمّلاً بالمودة.
جلسات “الفوالة” بعد التراويح ليست مجرد عادة، بل مساحة لاستعادة العلاقات، وترميم ما أفسدته انشغالات العام.
رمضان كان دائماً فرصة للُّمّة…
لكن اليوم، هو ضرورة.
الأسر لم تعد ممتدة كما كانت. الجد والجدة في مدينة، والأبناء في مدينة أخرى. اللقاءات أصبحت مناسبات نادرة، والوقت صار عملة صعبة. وهنا يأتي رمضان ليقول لنا: توقفوا… عودوا إلى بعضكم.
فما قيمة النجاح الاقتصادي إذا فقدنا دفء الروابط؟
وما معنى التقدم إذا ذابت هويتنا في زحام الحياة؟
رمضان ليس طقساً دينياً فقط، بل مشروعاً اجتماعياً متكاملاً يعيد بناء ما هدمه الانشغال، ويُحيي ما كاد يذبل من عادات وتقاليد صنعت ملامحنا عبر أجيال.
هو فرصتنا لنمنح أبناءنا ما لم نعد نملكه يومياً:
الاجتماع، الحكايات، القيم، والذكريات التي ستبقى معهم حين يكبرون.
فالمستقبل لا يُبنى بالاقتصاد وحده، بل بثقافة حية، وهوية راسخة، وروابط لا تقطعها المسافات.
رمضان عاد…
فهل سنعود نحن إلى أنفسنا؟
وكل عام وأنتم بخير 🌙✨

