في ذكرى ميلاده.. جمال عبد الناصر.. زعيم غيّر وجه مصر وصنع حلم الأمة
تحل اليوم ذكرى ميلاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، أحد أبرز الشخصيات التي صنعت تاريخ مصر الحديث، والذي وُلد في 15 يناير عام 1918 بحي باكوس في محافظة الإسكندرية، ليصبح لاحقًا قائدًا وطنيًا استثنائيًا ترك بصمة عميقة في الحياة السياسية والاجتماعية داخل مصر وخارجها.
ولم يكن جمال عبد الناصر مجرد رئيس تولّى مقاليد الحكم، بل كان رمزًا لمرحلة كاملة من الكفاح الوطني والتحرر، وحاملًا لمشروع سياسي واجتماعي طموح سعى من خلاله إلى إعادة بناء الدولة المصرية على أسس الاستقلال والعدالة الاجتماعية، بعد سنوات طويلة من الاحتلال الأجنبي والتفاوت الطبقي والفساد.
نشأة شعبية صنعت وعيًا وطنيًا
وُلد عبد الناصر في أسرة بسيطة، ونشأ في بيئة شعبية كان لها تأثير بالغ في تشكيل وعيه المبكر بقضايا المجتمع، حيث لمس عن قرب معاناة الفقراء واتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية. وتنقّل في مراحل تعليمه بين الإسكندرية والقاهرة، ما أتاح له الاحتكاك بواقع المصريين في مختلف البيئات، وهو ما انعكس لاحقًا على رؤيته السياسية وانحيازه الدائم للفئات البسيطة.
التحق عبد الناصر بالكلية الحربية، وهناك بدأت ملامح مشروعه الوطني في التشكّل، حيث تعرّف على عدد من الضباط الشباب الذين شاركوه الحلم ذاته، وأسّس معهم تنظيم “الضباط الأحرار”، الذي لعب الدور الرئيسي في الإعداد لثورة 23 يوليو 1952.
ثورة يوليو وبداية الجمهورية
قاد جمال عبد الناصر ثورة 23 يوليو التي أنهت الحكم الملكي وفتحت الباب أمام إعلان الجمهورية، في خطوة اعتبرها كثيرون نقطة تحول كبرى في تاريخ مصر. وسعى من خلال الثورة إلى تحقيق أهداف واضحة، من بينها القضاء على الإقطاع، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وبناء مؤسسات دولة قوية قادرة على تلبية احتياجات المواطنين.
وأطلق عبد الناصر سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، شملت قوانين الإصلاح الزراعي، وتأميم عدد من القطاعات الحيوية، وتوسيع دور الدولة في التعليم والصحة والإسكان، في محاولة لإعادة توزيع الثروة وتحقيق قدر أكبر من المساواة داخل المجتمع.
مشروع قومي وتأثير إقليمي
لم يقتصر دور عبد الناصر على الداخل المصري، بل امتد تأثيره إلى المحيط العربي والأفريقي، حيث أصبح رمزًا لحركات التحرر الوطني. دعم ثورات الاستقلال في الجزائر واليمن، وساند القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب المركزية، كما دعا إلى التضامن العربي والعمل المشترك.
وتجلّى حلمه القومي في تجربة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 تحت اسم “الجمهورية العربية المتحدة”، وهي تجربة عكست طموحه لإقامة كيان عربي موحد سياسيًا واقتصاديًا، رغم ما واجهته لاحقًا من تحديات.
قرارات تاريخية صنعت الفارق
يُعد قرار تأميم قناة السويس عام 1956 من أبرز المحطات في مسيرة عبد الناصر، حيث مثّل إعلانًا واضحًا عن السيادة الوطنية، وأعاد لمصر السيطرة على أحد أهم شرايينها الاقتصادية، رغم ما تبع القرار من عدوان ثلاثي.
كما يُعد مشروع السد العالي أحد أعظم إنجازاته، لما له من دور محوري في حماية مصر من أخطار الفيضان والجفاف، ودعم خطط التنمية الزراعية والصناعية، وتعزيز قدرة الدولة على إدارة مواردها المائية.
شخصية قريبة من الناس
ورغم حضوره السياسي القوي وخطاباته المؤثرة، عُرف جمال عبد الناصر ببساطته وتواضعه، وابتعاده عن مظاهر الثراء والترف. كان قريبًا من المواطنين، حريصًا على الاستماع إلى همومهم، وهو ما أكسبه شعبية واسعة وثقة كبيرة داخل الشارع المصري.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
في 28 سبتمبر عام 1970، رحل جمال عبد الناصر عن عالمنا، إلا أن أفكاره وإرثه السياسي ما زالا حاضرين بقوة في الذاكرة الوطنية. ولا تزال تجربته محل دراسة ونقاش حتى اليوم، باعتباره أحد أبرز القادة الذين شكّلوا ملامح القرن العشرين في مصر والمنطقة العربية، وزعيمًا ارتبط اسمه بحلم الاستقلال والعدالة والكرامة الوطنية
